الفرار من المصير المعلوم نحو المصير المجهول | عزيز الشنوفي

26 أبريل 2021 - 12:51 م سياسة , أخبار وطنية , سياسة , سياسة , كُتّاب وآراء , أقسام أخرى , مستجدات

واقعة الهجرة الجماعية التي قام بها شباب الفنيدق سباحة من مدينتهم صوب سبتة المحتلة والتي خلفت ضحايا في الأرواح ونجاح البقية في الوصول الى وجهتهم المقصودة هي عملية ليست الأولى من نوعها منذ إغلاق معبر سبتة المعيشي في وجه الساكنة الذين كانوا يسترزقون من ورائه ولن تكون الأخيرة مطلقا على اعتبار أن ساكنة المدن المجاورة لسبتة المحتلة كانوا يستفيدون من سهولة الولوج والعبور اليها يوميا دون حاجتهم الى تأشيرات او جوازات سفر مختومة بل لايتطلب الأمر منهم أكثر من بطاقة التعريف الوطنية التي تحمل عناوين المدن التي تسمح بها السلطات الإسبانية استثناءً لساكنة المدن المجاورة مما ولد عند أغلبية الساكنة ثقافة الإنتقال المتكرر والتعايش والإنسجام الطبيعي بين الضفتين .

ويجد أغلب سكان الشمال اليوم أنفسهم محاصرون اقتصاديا و اجتماعيا في رقعة جافة لاحركة فيها ولانشاط ولابديل إقتصادي حقيقي يغنيهم عن التجارة المعيشية التي كانوا ينشطونها ويعيش منها أغلب نساء ورجال هذه المناطق المحادية لسبتة ومدينة الفنيدق على وجه الخصوص التي ألقبها شخصيا “بسوق سبتة الكبير” على اعتبار انها مخزن واسع وبوابة كبيرة للبضائع والسلع المهربة من المدينة المغربية المغتصبة الى باقي مدن المملكة التي يفضل أغلب المواطنون المغاربة إقتناءها و أنا منهم لجودتها ورخص أثمانها مقارنة بعض المنتوجات المغربية التي تفتقر للجودة المطلوبة والتسعيرة المعقولة بسبب ثقافة الإحتكار وجحيم المضاربات وغياب مسؤولية الدولة في المراقبة وحماية المستهلك .

يتساءل الكثير منا ماذا قدمت الدولة المغربية من بدائل اقتصادية لشباب الشمال تعويضا لهم عن إغلاق المعبر من جانب واحد والذي وصل بهم ضيق الحال وإفلاس الأحوال الى بيع أثاث البيوت ومستلزمات المنازل لإطعام الأطفال منتظرين إنفراج الحال فلما نفذ صبر الساكنة و انقطعت بها السبل خرجت عن بكرة أبيها الى الشارع محاولة إيصال صوت أنينها لمن يهمهم الأمر علها تجد من المسؤولين في هذا البلد من يتحمل مسؤوليته بحق وينصت الى معاناتها وينتشل المدينة و أهلها من كارثة اقتصادية و اجتماعية محدقة خيمت على حركتها منذ ليلة الإغلاق الغير محسوبة العواقب دون دراسة “سوسيو اقتصادية”مسبقة لوضعية الساكنة ولا حتى إعطاء مهلة يسيرة للساكنة لترتيب أمورها قبل الإغلاق مما أسفر عن خسائر فادحة رساميل التجار ومحاصرة العديد من الأفراد داخل الضفة الأخرى بعيدا عن أهلهم وذويهم .

طبعا تفاعل الدولة المغربية مع احتجاجات الفنيدق جاء سريعا وكما كان منتظرا منها أنصتت جيدا وجيدا جدا لتلك الأصوات المطالبة بتحسين ظروف العيش و إيجاد بدائل إقتصادية للساكنة تضمن كرامتهم وتقيهم سوءات الجوع والتشرد فسخرت وحركت قواتها العمومية الى الشوارع وقمعت الأصوات و أخرست الألسن و اعتقلت الكثير من أبناء الساكنة وتابعتهم امام القضاء بتهم جنائية ثقيلة وهكذا تحول مطلب الساكنة البئيسة من المطالبة بالعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية وتحسين الأوضاع المعيشية الى إختصار كل ذلك في مطلب إواحد وهو إطلاق أبنائها من السجن الصغير والخروج بهم الى رحاب السجن الكبير والصبر والرضى على ماقضى الرب وقدر في هذا الوطن الذي اختلت فيه موازين العدل والقسطاس و أصبحت كرامة الناس تداس فيه بالأقدام وويل لمن سولت له نفسه تنفس القليل من الحرية والمطالبة بحقه البسيط في الحياة !

ثم تم ذر بعض الملح والرماد في عيون العامة من الناس المتابعين للشأن الوطني عبر الإعلان عن تشغيل و إدماج عدد محدد من نساء ورجال المنطقة في شركات ومعامل بالمدن المجاورة وهي الخطوة التي تجندت لها وسائل الإعلام الرسمية ونفخت فيها بالطول والعرض تطبيلا وتزميرا حتى ظن المتابع للحظة أن الحكومة المغربية تنازلت ونزلت من أبراجها العاجية و انصتت لمشاكل الساكنة و أننا أمام عملية إدماج جماعية وبديل إقتصادي قوي وفرص تشغيلية متوفرة للجميع ! ولكن الحقيقة المرة التي أغفلتها كاميرات القناة الاولى والثانية وصفحات “العام زين” هي ان تلك الفرص محدودة ولا تصل حتى لمستوى الأجور الدنيا “سميك” في مدينة لم يعد فيها للدرويش من مبيت او معيش !

فماذا كانت تنتظر الدولة من شباب صبر وصابر على الأزمة والقمع والظلم والبطالة والتشرد وجرب جميع السبل الممكنة للعيش في بلده كريما محترما ولم يفلح بسبب اغلاق منفذ رزقه الوحيد وتخييم سحابة الوباء على سمائه ومحاصرته في جغرافيا ضيقة مخيرا بين عصى الدولة ومطرقة الفقر والعطالة غير مواجهة الأمواج والقذف بنفسه في غياهب المجهول عله يتحرر من كل ماسبق ويختار لنفسه خيارا ثالثا سواءً بالموت السريع إذا ماغرق او بالحياة الكريمة اذا ما كتبت له النجاة ووصل حيث تحترم الحقوق وتضمن الحريات وتراعى الكرامة الإنسانية والوطن الذي لايضمن أبسط حقوق ومقومات المواطنة لكافة مواطنيه لايستحق أن ترفع له راية ولا أن يتغنى فيه بشعار أو نشيد بل يجب الهجرة منه بجميع الطرق الممكنة وفاءً وعرفان بما بقي من الحب و الإنتماء له في القلب والوجدان فحبنا وعشقنا لجغرافية من الأوطان لن يكون على حساب قهر النفسية والأبدان .

توقيع: مواطن كاعي عزيز الشنوفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *