انتقل إلى دار البقاء الفقيه القارئ المحَبِّر لكتاب الله الزاهد الورع البركة عبدالله الشتيوي، أحد أعلام مدينة القصر الكبير وأركانها

22 نوفمبر 2020 - 2:18 ص دين وفكر , أقسام أخرى , مستجدات


عاش الفقيد للقرآن الكريم، فرفع الله ذكره، ونشر محبته ومهابته في قلوب الناس، وقد كان الفقيد ولد سنة 1958 بقرية “النحل” بقبيلة صَرْصَر المجاورة لمدينة القصر الكبير، وقرأ القرآن في قريته فختمه في سن مبكرة، معانا على ذلك بحافظة خارقة، حدثني أن لوحه الذي كان يحفظ فيه وهو طفل كان مثلَ قامته، وكان يملؤه كله، ويحفظه سريعا.
بعد ذلك انطلق جائلا في قرى جبلية كثيرة، ينشُد مزيدا من الإتقان للقرآن، وجمع القراءات المختلفة، حتى حاز قصب السبق، ولا سيما في رواية ورش، وغدا “وَرّاشا” قويا بتعبير الطلبة، مع معرفة قراءة حفص عن عاصم، وشيء من قراءتي حمزة والبصري، وإتقان تام لقواعد الترتيل وأحكامه، وقوة الصوت ونداوته، فتأهل في منتصف السبعينات، وهو حديث السن، للإمامة (الشّرْط) وتدريس الطلبة، فقام بأعبائه في البادية سنين عددا، وبعد منتصف الثمانينات حل بالقصر الكبير، وتنقل في بعض مساجده الشهيرة، كمسجد السلام ومسجد الفتح إماما ومشفعا ومدرسا للقرآن، إلى أن حط رحله بمسجد القدس سنة 1995، وفيه درست على يديه القرآن الكريم، ونهلت من علمه وأدبه، وكانت أيامنا بين يديه من غُرَر الدهر وحسناته، مرت كطيف الخيال وسِنَة الكرى، ولا زالت ذكراها في خاطري وجَناني بالغة الأثر، وكان مسجده -طيب الله ثراه- في رمضان مَحَجا للمئات من المصلين، الذين تضيق بهم جنباته وساحاته والطرقات المحيطة به، دليلا على صدقه وبركته ولا نزكيه على الله تعالى، واستدعي في أواخر التسعينات إلى التلفزة المغربية لتسجيل القرآن بصوته في المسيرة القرآنية، وعرضت عليه عروض مغرية للإمامة في دول أروبية و بعض المدن الكبرى في المغرب، اعتذر رحمه الله عن جميعها، ومكث في مدينته التي يحبها وتحبه قانعا بما قسم الله له، وبعد العام 2007 أسس مع جماعة من الفضلاء مدرسة سيدي عبد الجليل القصري الخاصة للتعليم العتيق، واضطلع فيها بتدريس المواد الشرعية، إلى أن أنهكه في السنوات الأخيرة مرض السكري الذي كان أصابه قديما، وظل صابرا محتسبا لا تفارق البشاشة محياه، ذا نكتة ودعابة، وتودد، ودعاء وذكر لله تعالى، إلى أن لقي ربه في منتصف ليلة أمس، وصلي عليه عصر اليوم في مسجده الذي ألفت جدرانه صوته، وأنست بوجوده بينها لأكثر من عشرين سنة، رحمه الله تعالى ورضي عنه، ولقّاه نظرة وسرورا، وجعل القرآن الكريم له نورا في قبره وشفيعا يوم القيامة..
سلمان الصمدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *