فيروس كورونا| من زاوية أخرى

20 مارس 2020 - 2:19 ص المرأة , صحة وطب , سياسة , كُتّاب وآراء , أقسام أخرى , مستجدات

« كورونا من زاوية أخرى »

وباء كورونا فعل مالم تفعله الصناديق الإنتخابية ولا الاحزاب السياسية و لا الكائنات البرلمانية ، وباء كورونا جدد الدماء السياسية و أرخى سلطته على كامل مؤسسات الدولة وجعلها في خدمة المواطن بعدما عاش المواطنون طيلة حياتهم خداما للمؤسسات دون أي اعتراف لهم بحقوق المواطنة .

كورونا حققت لهذا الشعب شيئا من العدالة المجالية و الاجتماعية التي لطالما نادى بها المواطنون دون أن يلتفت او ينصت الى أنينهم أحد ولأول مرة ياقوم نرى المواطن في صُلب إهتمامات الدولة و رعايتها ؛ وللمرة الأولى نشعر أننا أحياء في هذا الوطن لنا دولة تشعر بنا وتهتم لأمرنا وتخاف على حياتنا وتتمنى لنا الصحة والعافية !

لأول مرة تُجهز الأسِرة في المشافي رغم قلتها و تعقم وسائل النقل و تراقب النظافة فيها و تطهر الحدائق و الشوارع والطرقات و الإدارات العمومية وغيرها ، لأول مرة تسألك الدولة بجلالة قدرها عن إصابتك بالعدوى من غيرها ، لأول مرة يصبح المواطن رقما ذا قيمة في وسائل الإعلام و بلاغات وزارة الصحة و رئاسة الحكومة !

لأول مرة تحرص الدولة الحبيبة على راحة شعبها و تنصحهم بإلتزام بيوتهم خوفا على سلامتهم الصحية من الخطر ، لأول مرة تخصص لهم صندوقا يحل أزماتهم اللإقتصادية و الاجتماعية ، لأول مرة تأمر الدولة بصرف الأجور دون انقطاع لموظفي البلد و بصرف مبلغ محترم شهري آخر لفائدة جميع منخرطي الضمان الإجتماعي ، لأول مرة يؤمر بتأخير تأدية اقساط القروض الاستهلاكية و السكنية و مساعدة المقترضين إن لزمهم أي قرض جديد ، لأول مرة تلغى المهرجانات المائعة و تمنع المواسم العقائدية الرجعية ، لأول مرة تغلق الزوايا وتنفضُّ الجموع !

لأول مرة تراقب الأسعار عينيا و يتابع المحتكرين في جميع الميادين ، لأول مرة وفجأة يصبح حيتان المغرب فاعلون اجتماعيون و يتبرعون بمبالغ خيالية لصالح حماية الوطن وسلامة المواطن ، لأول مرة تتحرك مشاعر الكبار في هذا الوطن ويلتفتوا لأحوال الصغار ويفكرون في مشاكلهم وصعوبة ظروفهم ويساهمون في حل أزماتهم ، لأول مرة في تاريخ المغرب الحديث نسمع عن المنافسة في التبرعات والنتيجة مئات الميليارات تحول الى الصندوق المرصود ، لأول مرة ياجماعة أغنياء المغرب يضعون شيئا في الصندوق ولا يجففونه وهذا أمر يجب أن نشكر الكورونا عليه كل الشكر !

لأول مرة ياجماعة نشعر بالقليل من العدالة في هذا البلد فالوباء لايفرق بين غني او فقير ولا بين غفير او وزير ولا بين مواطن او رئيس ولا يعترف بألوان الجوازات ولا أعلام الدول ولا ينتظر أوامر مجلس الأمن ولا ينصت لتقارير الأمم متحدة ولا تتحكم فيه أمريكا ولاينصت لإملاءات صندوق النقد الدولي ، لأول مرة نسمع عن كائن حر طليق في هذا الكون يقتحم كل الدول دون استئذان او طلب لتأشيرة ويقفز فوق جميع القارات دون اعتراف برسمنة الحدود ولا تقييد بمواثيق الهجرة التي اسقطت حق الإنسان في السفر و التجوال بحرية ، صاحبتنا كورونا تقض المضاجع ولا يقض مضاجعها أي أحد ، ترى الجميع ولا يبصرها أي أحد !

لأول مرة تتساوى الدول في شيء واحد و يكون لها نفس الهذف و ذات التوجه ، لأول مرة يصبح جميع سكان العالم عاطلين عن العالم يلزمون بيوتهم ينتظرون دعم الدولة لهم في محنتهم التي ليس لهم اي قدرة او طاقة على تحملها ، لأول مرة تتساوى جوزات السفر مع جميع أقرانها حيث كل الجوزات لا تدخل صاحبها أي دولة كيفما كانت حتى لو كان يملك مابين السماء والأرض لم يعد يسمح له بالفرار من قدره المحتوم في بلده ، لأول مرة يارفاق نرى رؤساءنا و وزراءنا و أغنياء بلداننا قابعون معنا تحت سماء ذات الوطن ينتظرون ويانا القضاء و القدر دون ان يكون لهم الحق و الحرية في الفرار الى البلدان المتقدمة التي لم تعد كذلك بعد ان ساوى الوباء بين دول العالم الاول بالثاني و الثالث حتى اصبح الجميع سواسية كأسنان المشط !

وباء كورونا وحد المجتمع و الدولة والعالم على كلمة واحدة ولأول مرة لاصوت يعلوا على صوت الصلاة و الدعاء والتضرع الى لله عز وجل ان يرفع مقته و غصبه و بلاءه عن أمم الأرض أجمعين ، لاول مرة يحق لنا ان نقول ان الفوارق الاجتماعية و الاختلافات الفكرية والتقديرات السياسية والهموم الإقتصادية وضعت على جنب و أضحى الجميع يفكر بأسباب البقاء و كيفية النجاة و الهروب من قدر الله المحتوم الى قدر الله المحتوم .

لأول مرة نقدر نعمة الحياة التي وهبنا الله إياها ونخشى عليها من الزوال ونعلن لدنيا بكاملها أننا ضعفاء أذلاء تحت قدر الله لسنا بتلك القوة و الجبروت التي كانت توسوس لنا بها أنفسنا الأمارة بالسوء في كل وقت وحين ، كورونا يامعشر العارفين ليست مجرد وباء بل هي رسالة إلهية يجب أن نحسن قراءتها و ان نستخلص الدروس منها و أن نتعظ ونعتبر لعل العبرة تنفعنا قبل أن نصبح مجرد ذكرى تتناقلها الألسن بعد فنائنا !

توقيع : عزيز الشنوفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *