أين يقضي أطفال الهامش عطلتهم ؟؟؟

5 أغسطس 2019 - 6:01 م سياسة , أخبار وطنية , سياسة , تقارير هامة , سياسة , قضايا المجتمع , سياسة , كُتّاب وآراء , أقسام أخرى , مستجدات

روبورطاج- يوسف شكور لبلاد تيفي

يعد اشتغال الأطفال خلال فصل الصيف في مجموعة من المهن التي يكون أغلبها  عبارة عن حرف موسمية مرتبطة بفصل الصيف من الظواهر السلبية المنتشرة بكثرة في المغرب. أطفال صغار في عمر الزهور دفعتهم ظروفهم الإجتماعية والإقتصادية القاهرة إلى تحمل أعباء الحياة مبكرا رغم حداثة سنهم. في هذا الروبورطاج رصدنا بعد هذه الحالات وحاولنا التعرف على أسباب هذه الظاهرة وكذا العوامل المساهمة في انتشارها بهذا الشكل المهول الذي لا يبعث على الإطمئنان.
طفولة مغتصبة
عثمان طفل في الثالثة عشرة من عمره  من مواليد العاصمة الإقتصادية الدارالبيضاء يقطن بدرب السلطان الشعبي ويدرس في السنة الثامنة من السلك الإعدادي بإعدادية خالد بن الوليد، إلتقيناه بأحد المقاهي المعروفة بشارع الحسن الثاني في وسط المدينة وهو يحاول إقناع زبناء المقهى بشراء بعض قطع الشكولاطه منه. في معرض حديثنا العابر معه سألناه عن الظروف والأسباب التي جعلته يشمر عن ساعديه ويخرج للعمل في هذه السن المبكرة فكان جوابه كالتالي: ” الفقر والهشاشة وضيق ذات اليد هي الأسباب الرئيسية التي حتمت علي الإشتغال خلال فصل الصيف لكي أساعد والدتي على متطلبات الحياة وكذلك أختي التي تصغرني بثلاث سنوات،وأذخر بعض النقود من أجل شراء الكتب المدرسية خلال السنة الدراسية القادمة، فأنا يتيم الأب ووالدتي مريضة تعاني من مرض مزمن أقعدها الفراش منذ سنة ونصف ومنعها من الإشتغال بعدما كانت في السابق تعمل خادمة في البيوت ومنظفة للبعض الوكالات والمكاتب،والآن تقوم بطهي “المسمن والبغرير” في المنزل وتكلف أختي  الصغرى ببيعه في أحد الأسواق الشعبية القريبة من الزقاق الذي نقطنه في درب السلطان”.
ويضيف عثمان: ” صراحة أنا الذي أخذت المبادرة وقررت العمل خلال العطلة الصيفية لإعانة الأسرة، والدتي في البداية كانت ضد هذه المسألة شكلا ومضمونا جملة وتفصيلا، حيث أبدت رفضها للفكرة بشكل كلي وتام، لكنني استطعت إقناعها بعدما وعدتها بأنني سأعمل فقط خلال العطل وبأنني لن أزوال نشاطا مشبوها أو أمارس تجارة ممنوعة، وأن عملي سيكون فقط خلال النهار”.
ويستطرد ذات المتحدث: “شرعت في العمل خلال العطل البينية منذ مرض والدتي، وسبق لي أن اشتغلت في أحد المقاهي كغاسل صحون، ومساعدا لبقال في الحي، وقمت ببيع مجموعة من الأشياء كالمناديل الورقية و الجوارب والعطور وغيرها”.
ويردف عثمان: “صراحة مزاولة بعض الأنشطة التجارية الحرة كبيع المناديل الورقية أو مطبوعات الكلمات المتقاطعة وغيرها من الأنشطة الحرة أفضل بكثير من العمل في مقهى أو محل للبقالة أو عند نجار أو ميكانيكي، ﻷن هذه الأنشطة متعبة وشاقة بالإضافة إلى أن أغلب المشغلين يعمدون إلى استغلال الأطفال بشكل ممنهج ولساعات طوال مقابل مبالغ زهيدة ويحملونهم مالا يطيقون كما أن أغلب هؤلاء المشغلين لا يأخذون بعين الإعتبار بنية الطفل الجسمانية وقدراته المحدودة ويعاملونهم معاملة قاسية وفظة لاتخلوا من الإهانة والإحتقار وأحيانا تصل إلى حد التعنيف،هذه هي الأسباب التي جعلتني أفضل العمل كبائع متجول للإبتعاد عن هذه الأجواء والممارسات”
أما عن حلمه فيقول: ” الحلم الذي أتطلع إلى تحقيقه في يوم من الأيام هو أن أصبح تاجرا كبيرا أو مقاولا  لكي أغير هذا الواقع المرير وأنتشل والدتي وأختي من براثن الفقر والبؤس والحرمان”
*فصل الصيف.. عطلة للبعض وجحيم حارق للبعض الآخر *
المعروف هو أن فصل الصيف هو فرصة مواتية وسانحة للإستجمام والسفر والترويح عن النفس والإستماع بشمسه الدافئة، فالكثير من الأطفال خاصة أولئك الذين ينحدرون من عائلات ميسورة أو أبناء الطبقة المتوسطة ينتظرون قدوم العطلة الصيفية بفارغ الصبر من أجل الإستمتاع بأجواء الصيف الإستثنائية واستغلالها في التخييم والإصطياف والسفر لكن في المقابل هناك أطفال من الدرجة الرابعة شاءت الأقدار  أن ينشؤوا في كنف أسر فقيرة ومعدمة تقع في أسفل الدرك الإجتماعي  لا ينظرون إلى فصل الصيف بعين الرضا، لأنه يشكل بالنسبة إليهم جحيما لايطاق، فهو فصل المعاناة والإجهاد والأعمال الشاقة، كما جاء على لسان نوفل البالغ من العمر إحدى عشرة سنة والمقيم بدرب الطاليان بالمدينة القديمة بالقرب شارع السور الجديد.
يقول نوفل: “عند حلول كل صيف أضطر إلى الإشتغال رغما عني، فوالدتي المطلقة ترغمني على العمل خلال العطلة الصيفية من أجل مساعدتها في مصاريف كراء بيتنا المهترء والمكون من غرفتين، ومساعدتها كذلك في شراء بعض المتطلبات اليومية. والدتي تبيع السجائر والمناديل الورقية في الحي الذي نقطنه، وترسلني أنا لبيع سماعات الهاتف النقال في مركز المدينة بالقرب من فندق “حياة ريجينسي”. كل يوم أضطر إلى الإستيقاظ على الساعة التاسعة صباحا للإستعداد للقيام بجولة طويلة في المدينة أرتاد فيها مجموعة من الأماكن كالمقاهي والمحلات التجارية وبعض المطاعم والأماكن المعروفة التي تعرف توافدا كثيفا للناس وذلك بغرض بيع هذه السماعات”.
ويضيف الطفل نوفل: ” هي معاناة لاتنتهي فصولها طوال العطلة الصيفية فبيع السماعات لايعني انتهاء المهمة، بل الشروع في نشاط آخر، ومايزيد من معاناتي هو الارتفاع المهول لدرجات الحرارة خلال هذه الأيام، فأشعة الشمس الحارقة التي تلفح الوجوه، تجعلني أتعرق وتصيبني بالجفاف على مستوى الحلق”
ويواصل نوفل حديثه قائلا: “أتمنى أن تتحسن وضعيتنا الإجتماعية نحو الأفضل، وأن أعيش طفولتي كباقي الأطفال ألعب وأمرح ويكون بمقدوري الإستمتاع بأجواء العطلة الصيفية”
أما عن أحلامه فيقول: “أحلم بأن أصبح مدرسا في المستقبل أو قبطانا أجول وسط البحار والمحيطات”
فقر مدقع يلامس التراب وثراء فاحش يناطح السحاب
يرى الدكتور علي الشعباني عالم الإجتماع المغربي أن هناك مجموعة من الأسباب التي تدفع العديد من الأطفال إلى العمل والإشتغال خلال العطلة الصيفية منها ماهو اقتصادي ومنها ماهو اجتماعي ومنها ماهو ترفيهي وفي هذا السياق يقول: “أغلب هؤلاء الأطفال يشتغلون من أجل توفير مصاريف الجيب أو تكاليف الدراسة كاقتناء الكتب وبعض اللوازم والأدوات المدرسية إستعدادا للموسم الدراسي الذي يلي العطلة الصيفية، أو بهدف اذخار هذه النقود من أجل إنفاقها لاحقا خلال فترات معينة من السنة كفترة الدخول المدرسي التي تتطلب الكثير من المال”.
ويستطرد الأستاذ الشعباني: “هناك أيضا بعض البراعم الصغار الذين يشتغلون خلال فصل الصيف لأسباب إجتماعية واقتصادية صرفة تتجلى بالأساس في الرغبة في مساعدة الأسرة على أعباء الحياة وتكاليفها التي لاتنتهي، وظاهرة عمالة الأطفال تكثر بقوة خلال العطلة الصيفية خاصة في بعض المدن السياحية سواء الداخلية(إفران-فاس-مراكش) أو الساحلية(أكادير-تطوان-مرتيل طنجة-البيضاء-المضيق)، حيث يعمد هؤلاء الأطفال إلى امتهان مجموعة من الأنشطة كالإشتغال في بعض المقاهي الموسمية التي تنشط خلال فصل الصيف بالقرب من البحر أو كراء المظلات الواقية من أشعة الشمس للمصطافين أو بيع النظارات أو المثلجات أو حراسة السيارات والدراجات وغيرها من الأنشطة وذلك لأسباب وعوامل اجتماعية بالدرجة الأولى، وهناك من يزاوج بين العمل خلال فصل الصيف والإستجمام”.
ويضيف نفس المتحدث في سياق تحليله لهذه الظاهرة: “إشتغال الأطفال خلال العطلة الصيفية ليس بالمسألة الإيجابية مائة بالمائة، رغم بعض مظاهرها الخداعة”.
ويضيف عالم الإجتماع المغربي علي الشعباني: “استفحال ظاهرة عمالة الأطفال خلال الصيف راجع إلى الوضع العام الإقتصادي والإجتماعي اله للمجتمع المغربي، لأن ذلك الطفل لو وفرت له أسرته الظروف الملائمة والمواتية من أجل أن يحيا حياة كريمة لما خرج إلى العمل في هذه السن المبكرة واضطر إلى مزاولة أنشطة لا تتناسب البتة مع سنه وبنيته الجسمانية، كبيع المثلجات على الشاطئ تحت أشعة الشمس الحارقة التي تلفح الوجوه وفوق الرمال الملتهبة”.
ويواصل الشعباني حديثه قائلا: “مزوالة الطفل لهذه الأنشطة في هذه المرحلة العمرية المفصلية والبالغة الحساسية يولد له شعورا بأن طفولته مغتصبة خاصة عندما يلاحظ أن أقرانه يتمتعون بأجواء الصيف عبر الإستجمام والإصطياف والسباحة، يلعبون ويرتعون، يسافرون ويذهبون إلى المخيمات والمنتجعات الصيفية، بينما هو محروم من هذه الأشياء لأن ظروفه الإجتماعية والإقتصادية الصعبة والمزرية أجبرته على تحمل أعباء الحياة مبكرا وامتهان بعض الأعمال الهامشية الغير منظمة والغير مهيكلة من أجل الحصول على دراهم معدودات لإعالة عائلته المعوزة والمعدمة. مانشاهده اليوم هو اغتصاب واضطهاد لطفولة وتمييز اجتماعي واقتصادي في حق هؤلاء الأطفال المساكين”.
ويضيف الخبير السوسيولوجي في معرض حديثه: “نلاحظ في بعض المدن  خاصة تلك التي تزاوج بين كونها مدنا سياحية ومقرات للمخيمات الصيفية التي تؤطرها بعض الوزارات كوزارة الشباب والرياضة أو بعض الجمعيات التي تعنى بالأعمال الإجتماعية التابعة للبعض الوزارات،مثل السعيدية وأكادير وطنجة وتطوان وغيرها من المدن الساحلية. هذه المدن التي يحج إليها السياح رفقة أطفالهم الصغار من مختلف البقاع والأصقاع بغرض الإستجمام تعرف تواجدا مكثفا للعديد من الأطفال الذين ينحدرون من أسر فقيرة والذين يزاولون مجموعة من الأنشطة كبيع الماء أو المناديل الورقية أو النظارات الشمسية وغيرها من الأنشطة”.
ويضيف الأستاذ الشعباني: “معاينة هؤلاء الأطفال الى أطفال آخرين في مثل سنهم يستمتعون بأجواء الصيف ويسبحون ويلهون، سيؤثر حتما ولا محالة على توازنهم النفسي وسيترك ندوبا وجروحا عميقة في نفسيتهم المرهفة، وسيكون من الصعب اندمالها وشفائها رغم مرور الزمن وتوالي الأيام والشهور، وستكرس فيهم أحاسيس الإحباط والحقد والتذمر والغيرة من الآخرين وانعكاسات ذلك على المستوى النفسي ستكون حتما خطيرة لأنه عندما يشب هؤلاء الأطفال على مثل هذه الأحاسيس والمشاعر السلبية فلابد أن تكون لها عواقب وخيمة عندما تسند لهم الأمور في المستقبل إذا ماوصلوا إلى هذا المستقبل بطبيعة الحال، لذلك يمكن القول أن ظاهرة اشتغال الأطفال خلال الصيف سلبياتها أكثر من إيجابياتها، فالجانب الإيجابي يتمثل فقط في تلك الدراهم المعدودة التي يتحصلون عليها ما عدا ذلك فهي ظاهرة سلبية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأن مكان الطفل الطبيعي يكون في المدرسة وخلال فصل الصيف يكون في المنزل بين أحضان أسرته أو في المخيمات و الجمعيات التي تشرف على تأطير الأطفال تأطيرا تربويا ونفسيا ونفسيا وثقافيا”.
أما فيما يتعلق بالحلول فيقول الباحث السوسيولوجي: “لا يوجد هناك حل لهذه المعضلة لأن التركيبة الإجتماعية أو البنيات الإجتماعية للمجتمع مبنية على هذا التمييز وعلى هذا التفاوت الطبقي الصارخ، فعبارة تقليص الفوارق الإجتماعية التي يستخدموها السياسيون أكثر من غيرهم معناها أن هناك إعترافا وإقرارا ضمنيا بوجود هذه الفوارق الاجتماعية وهذا التفاوت الطبقي ويجب أن تكون هذه الفوارق الإجتماعية فقط يجب علينا أن نعمل على تقليصها. هذه مفارقة خطيرة للغاية وهناك بعض الأشخاص الذين يعمدون إلى استغلال بعض التأويلات الدينية لتكريس هذه الفوارق الإجتماعية مستشهدين ببعض الآيات القرآنية كقوله تعالى:[فضل الله بعضكم على بعض في الرزق] والهدف من وراء هذا هو جعل الناس يقبلون بالأمر الواقع، بمعنى آخر أنت ولدت فقيرا في عائلة فقيرة يجب عليك أن تقبل بهذا الواقع وتبقى فقيرا وتمضي حياتك بالكامل في الحضيض تقتات على الفتات. لذلك أقول أنه من الصعب أو من شبه المستحيل أن نقضي على ظاهرة عمالة الأطفال ونقلص من  الفوارق الإجتماعية”.
ويضيف الدكتور علي الشعباني: ” الدولة هي التي تتحمل الجزء الأكبر والقسط الأوفر من المسؤولية، لأن السياسات العامة في المجال الإقتصادي والسياسي والإجتماعي والثقافي والفكري هي التي أدت إلى هذه الفوارق الإجتماعية وهذا التفاوت الطبقي الصارخ، المسؤولون عن هذه القطاعات هم الذين يتحملون مسؤولية هذه الكوارث الإجتماعية التي نراها اليوم، إذن فشل السياسات العامة في الميدان الإقتصادي والإجتماعي هي التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة، وما يتم ترويجه من قبيل العمل على تقليص الفوارق الإجتماعية هو ذر للرماد في العيون”.
ويواصل الشعباني كلامه قائلا: “في السابق كنا نتحدث عن البطالة وكنا نقول هذا شاب عاطل اليوم أصبحنا نوظف كلمة معطل بمعنى أن هذه البطالة التي يعاني منها الشباب هي بفعل فاعل أي أنها ناتجة عن المنظومة التعليمية الفاشلة وعن السياسات الإقتصادية المجحفة، فاستعمال كلمة معطل بدل عاطل فيها تحميل المسؤولية للدولة”
ويختم الأستاذ الشعباني كلامه بالقول: “من يدعي أن بإمكانه الحد من ظاهرة اشتغال الأطفال فهو واهم وحالم ويضحك على ذقون المغاربة”
عمالة الأطفال ظاهرة غير صحية
يرى الأستاذ الباحث في علم الإجتماع الدكتور محمد إدموسى أن امتهان الأطفال لبعض المهن ومزاولتهم لبعض الأنشطة التجارية خلال فصل الصيف ظاهرة سلبية بكل المعايير والمقاييس لأنها تحرم الطفل من أن يحيا طفولته بشكل عادي وطبيعي مثله مثل باقي الأطفال وتمنعه من اللعب والإستمتاع بهذه المرحلة العمرية المهمة التي تتشكل خلالها شخصيته كما أن اشتغال الطفل في هذه المرحلة يمنعه من اكتشاف قدراته الذهنية والمعرفية.
وبهذا الخصوص يقول الأستاذ ادموسى: “استفحال ظاهرة عمل الأطفال خلال فصل الصيف راجع إلى المعطى السوسيواقتصادي المتمثل في الفقر المدقع والهشاشة التي تنخر أغلب الأسر المغربية، هذا الأمر هو الذي يدفع هؤلاء الأطفال إلى الخروج للشارع وامتهان حرف معينة كبيع الخضر أو الفواكه أو الإشتغال في محلات لبيع الدواجن أو العمل عند مصلحي السيارات، لكن أغلب هؤلاء الأطفال يزاولون مهنا موسمية مرتبطة بالإصطياف كبيع المثلجات أو (البيني) أو بيع لعب الأطفال البحرية أو كراء المظلات الواقية من الشمس بغرض البحث عن مورد رزق يساعدون به أسرهم ويعيلون به أنفسهم على متطلبات الحياة”
ويضيف الباحث السوسيولوجي في معرض استقرائه لظاهرة: “السبب الثاني راجع إلى قلة الوعي لدى الأسرة وعدم إدراكها لمكانة الطفل ومتطلباته وكذا جهلها لمخاطر اشتغال الطفل في هذه السن المبكرة هذا من جهة، من جهة أخرى أشارت مجموعة من الدراسات السوسيولوجية أن لجوء الأطفال إلى العمل خلال فصل الصيف ومزاولتهم لبعض النشاطات المدرة للمال راجع إلى أسباب اقتصادية واجتماعية بالدرجة الأولى والمتمثلة في الفاقة والعوز وضيق ذات اليد دون أن ننسى معطى آخر مهم ألا وهو عدم تجريم الدولة لهذه الظاهرة وغضها الطرف عنها دون أن تحرك ساكنا لاحتوائها أو الحد منها، في حين نجد أن جمعيات حماية الطفولة ومنظمات المجتمع المدني هي التي تدق ناقوس الخطر وهي التي تأخذ زمام المبادرة وتجند كل امكانياتها من أجل محاربة هذه الظاهرة والتحسيس بمخاطرها سواء على الأطفال أو على المجتمع ككل”
ويردف المحلل الإجتماعي: “أما الدولة التي تقع على عاتقها مسؤولية حماية هؤلاء الأطفال من خلال القيام بمبادرات فعلية من أجل الحد من هذه الظاهرة التي تؤرق المجتمع وتعيق مؤشر التنمية والتطور فهي تراقب من بعيد”.
ويواصل الأستاذ إدموسى تحليله قائلا: “عمل الأطفال خلال فصل الصيف يكون له انعكاسات سلبية على مستوى مردودية الطفل وكذا على تحصيله العلمي على اعتبار أن ذلك الطفل يجب أن يكون في فترة راحة خلال الصيف لكن العكس هو الذي يحدث فبعد سنة دراسية حافلة بالتحصيل يجد نفسه خلال فصل الصيف مضطرا إلى العمل وإلى تشغيل عقله وفكره في الكيفية التي يستطيع من خلالها كسب بعض الدريهمات لتغطية مصاريف السنة الدراسية القادمة عوض أخذ قسط من الراحة استعدادا لسنة الدراسية القادمة وللأسف الشديد هؤلاء الأطفال الصغار الذين يزاولون هكذا أنشطة خلال العطلة الصيفية لا يعون خطورة ما يقومون به ولا يدركون انعكاساته.
ويردف الباحث الاجتماعي: “انخفاض منسوب الوعي لدى بعض الأسر وارتفاع نسب الجهل والأمية داخل المجتمع المغربي كلها عوامل ساهمت في تفشي هذه الظاهرة، فهناك بعض الأشخاص المعوزين أو الذين ليس لديهم الإمكانيات المادية لتكوين أسرة وفتح بيت ورغم ذلك يجازفون ويتزوجون وينجبون الكثير من الأولاد، لأن مسألة الزواج والإنجاب بالنسبة لهم مرتبطة بالقضاء والقدر، ليست هناك عقلنة للمشهد الأسري أو عقلنة للعلاقات الإجتماعية التي يمكن أن تذر علينا بجيل وناشئة قادرين على تغيير جملة من الامور والمعطيات المتمثلة في ركود وانخفاض مؤشرات أشياء متعددة تربوية اجتماعية اقتصادية وسياسية وثقافية وزد على ذلك، أغلب الناس يعزون مسألة الزواج والإنجاب إلى القضاء والقدر، كل شئ يتركونه للمجهول. كما أنه ليست كل الأسر المعوزة والفقيرة تدفع بأبنائها إلى العمل بل هناك بعض الأطفال الذين يبادرون بأنفسهم إلى الإشتغال رغبة منهم في مساعدة الأسرة وذلك راجع إلى طبيعة التنشئة والتربية التي تلقوها من طرف الأسرة”
ويستطرد الأستاذ إدموسى قائلا: “يجب على الدولة أن تأخذ على عاتقها مسألة إعادة النظر في الظواهر التي بدأت تستشري بشكل خطير داخل جسد المجتمع المغربي حيث أصبحنا نحس بفظاعة هذه الظواهر والسلبيات التي تنتج عنها. لكن رغم كل سلبيات هذه الظاهرة تبقى هناك بعض الإيجابيات التي ينبغي أن نشير إليها ولو باقتضاب، فالطفل الذي تدفعه الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة الى العمل في سن مبكرة، يكتسب جملة من المهارات  والكفايات التي ستفيده في الحياة من قبيل القدرة على التحاور وامتلاك آليات التواصل وتحمل أعباء الحياة ومواجهة شتى أنواع التحديات والصعاب، كما أن هذه التجارب تقوي شخصيته وتجعلها أكثر صلابة وتمرسا وحنكة، وبالتالي يصبح هذا الطفل يمتلك كنزا من التجارب تجعله أكثر نضجا وتبصرا وتؤهله لاتخاذ مجموعة من القرارات المصيرية في حياته. لكن الخطير في الأمر كما سبق وقلت آنفا هو أن مزاولة هؤلاء الأطفال لبعض الأنشطة من قبيل بيع السجائر قد يقودهم الى براثن الإدمان والانحراف  وبالتالي الإنقطاع عن الدراسة بشكل نهائي، وحسب ما جاء في آخر تقرير للمجلس الأعلى للتعليم فإن من بين المسببات الأساسية للهدر المدرسي هو دفع بعض الأسر أبنائهم إلى العمل خلال العطل البينية، والهدر المدرسي اليوم صار يشكل هاجسا للدولة ووحشا داخل المنظومة التعليمية والتربوية بالمغرب، والدولة خلال السنوات الأخيرة اتخذت مجموعة من التدابير وسخرت جملة من الإمكانيات للحد من هذا الهدر والتقليص منه إلا أن نسبة الهدر المدرسي مازالت مرتفعة على مستوى المدن ونفس الأمر يقابله على مستوى القرى والبوادي التي تعرف ارتفاعا في نسبة الهدر المدرسي ويعزا هذا الإرتفاع إلى إقبال الأطفال على رعي الغنم ومساعدة الآباء في الحرث خلال الموسم الفلاحي حيث ينقطع الأطفال عن الدراسة لمدة أشهر وبالتالي يكون تحصيلهم غير كامل وهذا يؤثر بشكل قوي على تصنيف المغرب في مؤشر التعليم”.
ويرى الباحث السوسيولوجي محمد إدموسى أن الدولة هي التي تتحمل مسؤولية تفشي ظاهرة عمالة الأطفال لأنها ومنذ بزوغ فجر الإستقلال  والى حدود الساعة لم تساهم بشكل فعال في التحسيس بخطورة تشغيل الأطفال من جهة وبمدى فتح المجال للأطفال للذهاب للإشتغال في الفترات الموسمية. أما الآن عندما استفحلت الظاهرة صار لزاما على الدولة أن تسن منظومة من القوانين التي تجرم تشغيل الأطفال وتعمل كذلك على خلق دوريات تضم أخصائيين ومساعدين اجتماعيين وظيفتهم الأساسية هي رصد هؤلاء الأطفال وثنيهم عن العمل وكذا مراقبة جميع المهن التي يمكن أن يمتهنها الاطفال خلال فصل الصيف والضرب بيد من حديد على من يشغل الأطفال أو من يساهم في الدفع بهم إلى العمل. وحتى أكون صريحا صريحا ودقيقا فالدولة هي التي ساهمت بشكل كبير في إنتاج هذه الظاهرة، لماذا الدولة لأنها هي التي أفضت إلى نشوء هذه الظاهرة من خلال سياساتها التي فشلت في خلق فرص شغل للشباب والتقليص من نسبة البطالة والنهوض بالأوضاع الإجتماعية والاقتصادية هو الأمر الذي أدى ببعض الأسر إلى الدفع بأطفالهم إلى العمل، لذلك فأنا أقول أن الدولة هي المسؤولة الأولى عن ظاهرة عمالة الأطفال ثم تأتي بعد ذلك الأسرة فالمجتمع”.
وراء كل جانح طفولة مضطهدة
يرى الباحث في سوسيولوجيا الإنحراف والصحة  الأستاذ صلاح الدين لعريني أن عمالة الأطفال ظاهرة عامة مرتبطة بالطبقية وبالفئات الهشة وهي في تزايد مطرد سنة بعد أخرى رغم تجريم المواثيق الدولية لها.
وفي هذا الصدد يقول الأستاذ لعريني: “من الناحية السوسيولوجية لهذه الظاهرة انعكاسات خطيرة كالحرمان من الإستمتاع بالطفولة وهي مرحلة مفصلية في حياة الانسان تتشكل خلالها شخصية الفرد وتتبلور، فالطفل الصغير الذي تجبره الأسرة أو بالأحرى الظروف الإجتماعية القاسية على العمل يصبح راشدا قبل الآوان ويتحمل أعباء تفوق طاقته الأمر الذي ينتج عنه تصور قدحي للذات حيث يكون الطفل صورة سلبية عن ذاته ويعتبر نفسه شخصا هامشيا ومنحطا ليست لديه أي قيمة داخل المجتمع، وهذه المشاعر تخلق له عقدة تلازمه مدى الحياة لأن هذه الصورة التي رسمها لنفسه ستبقى راسخة في مخيلته طوال حياته وبالتالي يصنف نفسه على أنه ذات غير مكتملة وحقيرة خاصة عندما يتعرض للإهانة أو العنف الرمزي وهذا ما ينتج عنه في علم النفس الاجتماعي ما يسمى بالتبخيس الذاتي”.
ويضيف الباحث في علم النفس الإجتماعي: “عمل الاطفال في هذه السن المبكرة يؤدي الى تشكيل احباطات ستكون لها نتائج عكسية في المستقبل خاصة وأن الطفل حينما يعيش تجربة العمل تتشكل لديه من الناحية النفسية قابلية للإنقطاع عن الدراسة على اعتبار أنها لا تعود عليه بأي نفع مادي عكس العمل الذي يتيح له ربح بعض الدراهم التي تجعله مستقلا عن الأسرة من الناحية المادية”.
ويضيف نفس المتحدث في تحليله للظاهرة: “من بين الانعكاسات السلبية كذلك لهذه الظاهرة على المستوى النفسي هو تكوين الطفل للصورة قدحية عن ذاته أي ما يعرف بالذات الهامشية أةدو الهشة بحيث يستدمج تلك الصورة التي يلاحظها في أفعال الآخرين فيصنف نفسه بأنه كائن هامشي وبالتالي فمكانه الطبيعي هو الهامش ونعلم جيدا أن الثقافة السائدة في الهامش هي ثقافة الإدمان والانحراف فيندرج بشكل لاشعوري في مجموعة من الممارسات الانحرافية التي سيجد نفسه بعد مدة من الوقت أنه أصبح متماهي معها  وأصبحت لديه ذات جديدة مغايرة للذات التي كان يحلم بها ويصبح الانحراف وسيلة لإثبات الذات بدل العمل”.

ويستطرد الأستاذ لعريني قائلا: “الطفل ليست لديه القدرة على التمييز ان كان العمل الذي يقوم به سينعكس عليه بشكل ايجابي او سلبي لذلك فهو ينخرط بشكل عفوي في هذا العمل غير مدرك لعواقب ذلك ولا للأخطار المحذقة به وهذا الانخراط العفوي لطفل يشكل هوية عن الذات تكون لها أخطار جسيمة على المستوى المستقبلي من بين هذه الأخطار احساسه الدائم بالحرمان، زد على ذلك أن انتقاله الفجائي من مرحلة الطفولة الى مرحلة النضج المبكر سيترتب عنه انعكاسات نفسية خطيرة في المستقبل والمتمثلة في مجموعة من العقد النفسية كالإحساس بالنقص والدونية والانتماء الى ثقافة الهامش وهذا الشعور ستكون له انعكاسات وخيمة تتجلى في تأنيب الضمير وتبخيس الذات وتوتر علاقاته الأسرية مع أقاربه حيث ستهتز صورة الأب والأم ما سينتج عنه اضطرابات عاطفية وعلائقية ستجعله يشعر بأنه شخص بلا قيمة غير مرغوب فيه  ومنبوذ في المجتمع، هذه الأحاسيس السلبية الخطيرة والمدمرة ستقوده الى دروب الانحراف وتلقي به في مستنقع الاجرام والجنوح”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *